بأبي و أمي أنت يا رسول الله ~
 

 

قصة حقيقية لفتاة كرست حياتها للأيتام

رسالة اليوم :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا غير مسجل بسم الله الرحمن الرحيم -- إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّه -- صدق الله العظيم -- فواجب كل مسلم يؤمن بالله رباً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ) وتعزيره يكون بنصره وتأييده ، وتوقيره يكون بإجلاله وإكرامه صلى الله عليه وسلم
هذه الرسالة تفيد بأنك غير مشترك فى منتدى أمل الإسلام . للاشتراك الرجاء اضغط هنــا

العودة   منتديات أمل الإسلام > "°o.O منتديات عقيدتنا O.o °" > اعرف عقيدتك

اعرف عقيدتك منتدى متعلق بأمور العقيدة الإسلامية بكل مفاهيمها ومواضيعها

التسجيل السريع فى المنتدى!
التسجيل في المنتدى مجاني ومتاح للجميع ، تستطيع التسجيل إلى المنتدى من خلال هذا النموذج المختصر ,ونتمنى منكم المشاركة والانضمام الى أسرتنا

اسم الدخول: الباسورد: إعادة الباسورد: الايميل: اعادة الايميل:
  انا موافق على قوانين المنتدى 

آخر 10 مشاركات
لغز بسيط جدا           »          ماذا يراد بالفتاة المسلمة           »          اغبى قوانين العالم           »          صور وتعليقات جاااااامده           »          ندل وطبق الفول           »          ادخل وشوف مستوى ذكائك           »          خطبة النساء..؟           »          مين ياترى فينا العضو المناسب؟           »          خبر غريب)           »          حقائق علمية في القرآن

تقييم هذا الموضوع - سلسلة حقوق يجب معرفتها.
(0)
تقييم الموضوع: 0 تصويتات, المعدل .

إنشاء موضوع جديد  رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
  #1  
قديم 11-05-2007, 06:44 AM
الصورة الرمزية ابى مصطفى المهاجر
مشاهدة ألبوم صور ابى مصطفى المهاجر's ابى مصطفى المهاجر غير متواجد حالياً
مشرف سابق
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
الدولة :
النوع :male
المشاركات: 2,390
جزاك الله خيرا: 1
تم شكره 35 مرة فى 20 مشاركة
معدل تقييم المستوى: 5
ابى مصطفى المهاجر is on a distinguished road
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى ابى مصطفى المهاجر إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى ابى مصطفى المهاجر
افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

سلسلة حقوق يجب معرفتها سلسلة جديده لعرض الحقوق التى يجب على كل مسلم معرفتها

من مواضيع في المنتدى

__________________

التعديل الأخير تم بواسطة : sandey بتاريخ 07-08-2007 الساعة 11:02 PM.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 11-05-2007, 06:46 AM
الصورة الرمزية ابى مصطفى المهاجر
مشاهدة ألبوم صور ابى مصطفى المهاجر's ابى مصطفى المهاجر غير متواجد حالياً
مشرف سابق
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
الدولة :
النوع :male
المشاركات: 2,390
جزاك الله خيرا: 1
تم شكره 35 مرة فى 20 مشاركة
معدل تقييم المستوى: 5
ابى مصطفى المهاجر is on a distinguished road
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى ابى مصطفى المهاجر إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى ابى مصطفى المهاجر
افتراضي

حق الله - الجزء الأول
حق الله ج1

إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده، ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح للأمة فكشف الله به الغمة، وجاهد فى الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبيا عن أمته ورسولا عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وصحبه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من استن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.

أما بعد ..

فحياكم الله جميعاً أيها الأخوة الأخيار وأيتها الأخوات الفاضلات، وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الحليم الكريم وجل وعلا الذى جمعنا فى هذا البيت المبارك الطيب على طاعته، أن يجمعنا فى الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى فى جنته ودار كرامته، إنه ولى ذلك والقادر عليه.

أحبتى فى الله:

يوم أن أنحرفت الأمة عن كتاب ربها وسنة نبيها وقعت فى هذا الانفصام النكد بين منهجها المنير وواقعها المؤلم المرير، فلقد شوه المسلمون الإسلام بقدر ما ضيعوا من تعاليمه وحقوقه، وابتعدوا عن المصطفى بقدر ما ضيعوا من سنته وأخلاقه، والداعية الصادق الأمين- أسأل الله أن نكون منهم بمنه وكرمه- هو الذى لا يغيب عن أمته ولا تغيب عنه أمته بآلامها وآمالها. ولو قلبت صفحات التاريخ كلها لن نجد فيها زماناً قد ضاعت فيه حقوق الإسلام كهذا الزمان وهذه الأيام، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، فأحببت أن أذكر أمتى لعلها أن تسمع من جديد عن الله عز وجل، ولعلها أن تسمع من جديد عن رسول الله ، ولعلها أن تحول هذا المنهج المنير فى حياتها إلى منهج حياة وتردد مع الصادقين السابقين الأولين قولتهم الخالدة: { سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (285) سورة البقرة.

فتعالوا بنا أيها الأحبة الكرام لنتعرف على حق الله جل وعلا، وها هو نبينا يبين لنا هذا الحق الكبير فى حديثه الصحيح الذى رواه البخارى ومسلم من حديث معاذ بن جبل- رضى الله عنه- قال: كنت رديف النبى يوماً على حمار- أى كان معاذ بن جبل يركب خلف النبى على ظهر حمار واحد- فقال النبى لمعاذ:" يا معاذ أتدرى ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟" قال معاذ: الله ورسوله أعلم، فقال المصطفى :" حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، حق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً" فقال معاذ: قلت: يا رسول الله أفلا أبشر الناس بذلك؟ فقال المصطفى : لا تبشرهم فيتكلوا" ([1]) .

وفى رواية: فأخبر به معاذ بن جبل عند موته تأثما([2]) أى خوفاً من وقوعه فى الأثم، لكتمانه العلم عن النبى ، فحق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً.

ولكن أيها الأحبة الكرام قبل أن أبين لحضراتكم حق الله سبحانه وتعالى أطرح هذا السؤال المهم: هل نعرف الله؟ والجواب على هذا السؤال هو موضوع لقائنا اليوم مع حضراتكم بإذن الله جل وعلا، وسينتظم حديثى عن هذا السؤال المهم فى
العناصر المحددة التالية:

أولاً: من الله؟

ثانياً: مع القرآن فى آفاق السماء.

ثالثاً: مع القرآن فى جنبات الأرض.

رابعاً: مع القرآن فى مراحل خلق الإنسان.

وأخيراً: عتاب يخزي.

فأعرنى قلبك وسمعك فإن هذا اللقاء من الموضوعات التى تجدد الإيمان فى القلب، وتعرف المخلوق بخالقه جل وعلا، فمحال أن أعرف بحق الله جل وعلا قبل أن نتعرف على الله جل وعلا، ومن ثم فإننا بإذن الله سنتعرف على الله جل جلاله، وإن قدر لنا الله البقاء واللقاء فى الشهر القادم بإذن الله جل وعلا، سنتعرف على حقه سبحانه وتعالى على خلقه وعباده.

أولاً: من الله؟:

والجواب من القرآن والسنة: فإن أول من شهد لله بالوحدانية هو الله : {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (18) سورة آل عمران. فإن أول من شهد لله بأنه الله هو الله {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} وإن أعرف الناس بالله هو حبيبنا رسول الله إذاً فلن تسمع منى جواباً على هذا السؤال الجميل إلا بآية من كتاب الله الجليل، وإلا بحديث من كلام
البشير النذير .

من الله؟ يرد ربنا جل وعلا فيقول: {اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} (255) سورة البقرة.

من الله؟ يجيب ويقول سبحانه: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ } (22، 23) سورة الحشر هو الله هو الله هو الله {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (24) سورة الحشر.

من الله؟ الله جل وعلا يجيب ويقول سبحانه: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} سورة الإخلاص .

وفى الحديث الصحيح الذى رواه مسلم من حديث أبى موسى الأشعرى أن الحبيب النبى قال: "إن الله لا ينام ولا ينبغى له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه حجابه النور، نور على نور"([3]).

وفى صحيح مسلم من حديث أنس أنه قال: نهينا أن نسأل رسول الله ، فكان يعجبنا أن يجئ الرجل العاقل من البادية أى من الصحراء ليسأل رسول الله ونحن نسمع، فجاء أعرابى،فقال كلمات قاسية لكنها فطرته وجبلته- يقول الأعرابى الذى لا يحسن أن يختار الكلمات : يا محمد- هكذا- والله ما غضب المصطفى ، ولو نودى اليوم على واحد منا باسمه ولو كان طالب من طلاب علمه، والله لغضب وها هو المصطفى يعلم الدنيا التواضع، يقول له الأعرابى: يا محمد أتانا رسولك فزعم أن الله أرسلك فزعم أنك رسول من عند الله فقال المصطفى بكل تواضع وأدب وخلق: "صدق" صدق رسولى لم يعنف الأعرابى ولم يوبخه ولم يحقر قوله بل قال المصطفى :" صدق".

اسمع فقال الإعرابى الفقيه: يا محمد من الذى رفع السماء؟ فقال المصطفى "الله" فقال الأعرابى: فمن الذى خلق الأرض؟ اقل المصطفى: "الله" فقال الأعرابى: فمن الذى نصب الجبال وجعل فيها ما جعل؟ فقال المصطفى:" الله" فقال الأعرابى: فالذى رفع السماء وخلق الأرض ونصب الجبال وجعل فيها ما جعل الله أرسلك([4])؟

اسمع إلى فقه هذا الأعرابى، والشاهد من حديث جواب النبى على أسئلة الأعرابى بكلمة واحدة: "الله".

وفى حديث مسلم من حديث أبى هريرة أن حبراً من أحبار اليهود جاء يوماً إلى النبى فقال: يا محمد إننا نجد عندنا فى التوراة الله تعالى يجعل السماوات على إصبع ويجعل الأرضين على إصبع، ويجعل الماء والثرى على إصبع ، ويجعل الشجر على إصبع ويجعل سائر الخلائق على إصبع ثم يهزهن ويقول: أنا الملك، فضحك

النبى من كلام الحبر حتى بدت نواجذه ثم قرأ النبى قول الله جل وعلا: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (67) سورة الزمر([5])

أخى الحبيب:

اسم الله جلا وعلا، هو الإسم المفرد العلم، العلم على ذاته القدسية، الجامع لكل أسماء الجلال وصفات الكمال؛ لذا جعله الله الاسم الدال على جميع الأسماء فقال سبحانه: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } (180) سورة الأعراف. وقال سبحانه: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ } (23) سورة الحشر.

فالسلام اسم الله والقدوس والسلام والعزيز والمهيمن من أسماء الله، تدبر معى فلا يقال: الله من أسماء الرحمن ولا يقال: الله من أسماء العزيز، بل يقال: العزيز من أسماء الله، الرحمن من أسماء الله، القدوس من أسماء الله، الملك من أسماء الله.

فاسم الله هو الاسم المفرد العلم على ذاته القدسية الجامع لكل أسماء الجلال وصفات الكمال لله الكبير المتعال، هو الاسم من أسماء الله الذى تكرر فى القرآن ما يقرب من ألف مرة، "الله" هو الوحيد فى السماء كلها الذى ورد ذكره فى القرآن ما يقرب من ألف مرة بحسب إحصاء المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم (تسعمائة وثمانون) مرة على وجه التحديد.

لذا يرى الإمام ابن القيم والإمام الطحاوى فى مشكل الآثار وغيرهما أن اسم الله هو الاسم العظيم الذى إن سئل به أعطى وإن دعى به أجاب، فهو الاسم الذى ما ذكر فى قليل إلا كثره، وهو الاسم الذى إذا ذكره عند خوف إلا أمنه، وهو الاسم الذى إذا ذكر عند هم إلا كشفه، وهو الاسم الذى ما ذكر عند كرب إلا فرجه، وهو الاسم الذى ما ذكر فى فقر إلا تحول الفقر إلى غنى، وهو الاسم الذى ما تعلق به ذليل إلا أعزه، وهو الاسم الذى ما تعلق به فقير إلا أغناه، وهو الاسم الذى ما تعلق به مكروب إلا قواه، وهو الاسم الذى تستدفع به الكربات ، وهو الاسم الذى تستنزل به البركات، وهو الاسم الذى تقال به العثرات، هو الاسم الذى تستفزع به النقم، هو الاسم الذى يستنزل به المطر، هو الاسم الذى يستنصر به من السماء، هو الاسم الذى من أجله قامت الأرض والسماء ... الله ... الله ... الله ... اسم تستنزل به البركات ، الله اسم تستنزل به الرحمات، الله اسم تزال به الكرب، الله اسم تزال به الهموم والغموم.

الله ... الله ... الله اسم لصاحبه كل جلال الله اسم لصاحبه كل جلال، الله اسم لصاحبه كل جلال وكمال وجلال، هو الاسم المفرد العلم على ذاته القدسية وأسمائه الحسنى وصفاته العلى، لذا تكرر هذا الاسم فى القرآن كما ذكرت ما يقرب من ألف مرة، فلا يمكن أبداً أن تطالع صفحة من قرآن الله جل وعلا إلا ويرد لسانك اسم الله، ما يزيد على عشر مرات هذا فى الغالب.

أيها الأحبة الكرام هذا الاسم العظيم الجليل الكريم، الإيمان به أصل السعادة والنجاة فى الدنيا والآخرة، لذا لا أكون مبالغا إن قلت لحضراتكم: إن القرآن الكريم كله من أوله إلى آخره لا يتحدث إلا عن قضية الإيمان بالله جل وعلا، لست مبالغاً تريدون أن أدلل لكم على ذلك؟

خذوا الدليل القرآن الكريم كله من أوله إلى آخره: إما حديث مباشر عن الله جل وعلا عن ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وإما دعوة إلى عبادة الله جل وعلا، ترك عبادة ما سواه هذا من لوازم الإيمان بالله، بل هو الإيمان.

وإما حديث عن الكفار المعاندين الذى كفروا برب العالمين وبيان جزائهم فى الدنيا وجزائهم فى الآخرة وهذا جزاء المعرضين عن الإيمان.

وإما حديث عن المؤمنين الصادقين، وما أعد الله لهم فى الدنيا والآخرة من نعيم، وهذا جزاء من امتثل الإيمان.

وإما حديث يأمر بطاعة الله ويأمر بامتثال أوامره واجتناب نهيه والوقوف عند حدوده، وهذا كله من لوازم الإيمان، فلست مبالغاً إن قلت: إن القرآن الكريم كله يتحدث عن قضية الإيمان بالله جل وعلا، إذ أن الإيمان هو أصل الأصول وهو أصل الاعتقاد وعليه مدار الإسلام ولب القرآن، بل من أجله خلق الله السماوات والأرض، ومن أجله خلق الله الجنة والنار، ومن أجله أنزل الله الكتب، ومن أجله أرسل الله الرسل وعلى رأسهم نبينا وحبيبنا المصطفى .

ومن ثم:فإن أعظم منهج للتعريف بالله هو منهج القرآن، أكرر هذه العبارة: إن أعظم منهج للتعريف بالله هو منهج القرآن، وينبغى يقينا أن نعلم أن القرآن يخاطب الناس فى كل زمان ومكان، يخاطب القرآن ساكن البادية وساكن الصحراء ورائد الفضاء، ويخاطب الأمىً الذى لا يقرأ ولا يكتب، ويخاطب عالم الذرة وعالم الطبيعة وعالم الكيمياء، ويخاطب كل أجناس الأرض، وكل واحد من هؤلاء يجد فى القرآن الكريم ما يربطة بهذا الكون العظيم، وما يعرفه بالخالق الكريم، كل واحد هؤلاء يجد فى القرآن الكريم ما يملأ قلبه من إيمان باله سبحانه وتعالى.

فالقرآن الكريم له أسلوب فريد لا نظير له البتة، أسلوب به يستوثق أصحاب الفطر السليمة بوحدانية الملك ليجيش القرآن الوجدان ويحرك القرآن القلوب، ويخاطب القرآن العقول السوية والفطر النقية، ليعرفها بخالق الكون سبحانه وتعالى تارة بالحوار وتارة بالوصف وتارة بالاستفهام، وتارة بالترغيب وتارة بالترهيب، وتارة بالمثل وتارة بالقصص إلى آخر هذا الأسلوب الرائع الذى يبدعه القرآن إبداعاً، وينشؤه القرآن إنشاءاً، فالقرآن الكريم يعرفنا بالله الرحيم جل وعلا من خلال تنقلانه الجميلة فى آفاق السماء وفى جنبات الأرض وفى بروج النفس البشرية العميقة، كل هذا ليعرف القرآن الإنسان بالله سبحانه وتعالى، فتعالوا نقف مع القرآن وقفتنا الثانية، مع القرآن فى آفاق السماء.

ثانياً: مع القرآن فى آفاق السماء:

مع القرآن، وهذا هو عنصرنا الثانى؛ لتتعرف من خلال القرآن على الله، انظر معى إلى السماء، أنا أعلم أنك تنظر إليها كل يوم ولكنى أريد منك اليوم أن تنظر نظرة جديدة، أن تنظر إلى السماء نظرة مختلفة، هيا من اليوم جدد النظر إلى السماء، فإن إلف النظر يبلد المشاعر والأحاسيس.

إن الإنسان إذا اعتاد على شئ لا يلتفت إلى قيمته ولا يلتفت إلى مواضع الجمال فيه، لكننى أناشدك من اليوم أن تجدد النظر إلى السماء بطريقة جديدة، هيا انظر معى إلى هذه القبة الزرقاء، إلى هذا السماء.

فورب الكعبة إن نظرة هادئة مدققة فى السماء فى ليلة صافية تملأ القلب رهبة وخشوعاً لذى العظمة والجلال والكمال، كتاب مفتوح جميل، جمال متجدد، جمال متعدد باختلاف الشروق والغروب، باختلاف الليل والنهار، بصفاء السماء تارة، وبضبابها وسحابها تارة أخرى.

ثم انظر معى إلى هذه النجمة التى انفردت وحدها فى أفق السماء وكأنها عين طفلة جميلة تلمع بالمحبة والمودة والصفاء.

ثم أنظر فى الأفق الآخر إلى هاتين النجمتين الوحيدتين المنفردتين وكأن كل واحدة منهما تناجى الأخرى.

ثم أنظر إلى هذه المجموعة المترابطة المتشابكة من النجوم وكأنها تشابكت وتراصت فى عرس بهيج سعيد، وهذا القمر المنير وهذا الليل السادل وهذا الفلك الدوار، وهذا الصبح الباهر وضوء الشمس المشرقة، كل هذا من صنع من؟ كل هذا من خلق من؟

الشمس والبدر من آثار قدرته
الطير سبحه والوحش مجده
والنمل تحت الصخور الصم قدسه
والناس يعصونه جهراً فيسترهم



والبر والبحر فيض من عطاياه
والموج كبره والحوت ناجاه
والنحل يهتف حمدا فى خلاياه
والعبد ينسى وربى ليس ينساه




انظر من جيد، وتفكر من جديد، {أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا *رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا* وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا} (27، 29) سورة النازعات. {وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} (47) سورة الذاريات. ثم يقول ربنا جل وعلا وهو يخاطب العقول لكى تتفكر، ويلفت الأنظار لتتدبر، لتتعرف على الخالق العظيم سبحانه، فيقول : {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ* وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} (75، 76) سورة الواقعة.

ثم يقول سبحانه : {وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ* لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} (37 ، 40) سورة يــس.

يثبت العلم الحديث فى كلام جميل لرئيس أكاديمية العلوم الحديثه فى أمريكا فى نيويورك، يثبت العلم الحديث أن القمر يدور فى فلك ومدار حدده له مدير الكون كله، والشمس تدور فى فلك فى مدار حدده لها مدبر الكون كله.

يقول أهل العلم: لو نزل القمر من مداره الذى يدور فيه الآن واقترب
من الأرض قليلاً لاختلت حركة المد والجزر المعروفة لأهل الطبيعة ولغرقت الأرض
كلها بمن فيها.

ولو الشمس تركت مدارها ونزلت قليلا إلى أعلى لتجمد كل من
على ظهر الأرض، ولو أن الشمس تركت مدارها ونزلت قليلا لاحترق كل حى على ظهرها، كل هذا من صنع من ؟ كل هذا من خلق من؟ أإله مع الله؟ { وَكُلٌّ فِي
فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}

والشمس والقمر، كلنا رأى الشمس، وكلنا رأى القمر، لكننى أخاطبك من اليوم أخى الحبيب... أن تعاود من جديد النظر إلى الشمس والنظر إلى القمر لتوحد خالق الشمس والقمر: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ* {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (75، 79) سورة الأنعام .

انظر لتلك الشمس
فيها ضياء وبها
وقل من ذا الذى
ذاك هو الله
ذو حكمة بالغة



التى جذوتها مستعره
حرارة منتشره
يخرج منها الشرره
الذى أنعمه منهمره
وقدرة مقتدره




ثم ينتقل بنا القرآن سريعا وإلا إذا وقفت والله مع كل عنصر لاحتجت إلى لقاءات.



ثالثاً: مع القرآن الكريم فى جنبات الأرض:

ينتقل بنا القرآن إلى جنبات الأرض وهذا هو عنصرنا الثالث من عناصر اللقاء، مع القرآن الكريم فى جنبات الأرض التى تجلس عليها الآن، التى تعيش فيها، التى تسعى على ظهرها، هذه الأرض إلف معيشتنا عليها أنسانا الشيطان كثيراً من آياتها ونعمها، فإن الناس كما ذكرت إذا اعتادت شيئاً نسيت فضله، وما يشعر الإنسان بقيمة الشئ
إلا إذا افتقده.

الأرض دابة ذلول كما قال ربنا جل وعلا: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } (15) سورة الملك. هذه الدابة المذللة لا تلقى براكبها من على ظهرها، بل إنها دابة جلوب تدر على أهلها الخير والأرزاق والكنوز والنعيم، هذه الدابة الذلول تجرى تركض بسرعة تجرى الأرض! نعم: الأرض التى تعيش عليها وتجلس الآن عليها ولا تتحرك تجرى وتدور بسرعة، لكنها ذلول لا تلقى راكبها من فوق ظهرها، ذللها الله وأرساها بالجبال، ولكن الجبال التى جعلها الله أوتاداً للأرض هى نفسها تجرى وتسير كما قال ربنا جل وعلا: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} (88) سورة النمل.

الجبال تسير؟ نعم ... والأرض تجرى؟ نعم ... ولكنها ذلول مذللة، بل ستعجب إذا علمت أن العلم الحديث قد أثبت أن الأرض تدور حول نفسها بسرعة مذهلة قدرها العلماء بسرعة ألف ميل فى الساعة الواحدة، الأرض ذلول تجرى وتدور دورة كاملة حول نفسها بسرعة تقدر بألف ميل فى الساعة الواحدة، وتدور الأرض دورة ثانية تدور حول الشمس بسرعة قدرها العلماء بسرعة تزيد 65000 ألف ميل فى الساعة الواحدة. وتدور الأرض مرة ثالثة مع الشمس مع المجموعة الشمسية بسرعة قدرها العلماء بـ 20000 ألف ميل فى الساعة الواحدة صنع من؟ خلق من؟ أإله مع الله؟

أمر عجيب بل وأثبت العلم الحديث أن دورة الأرض حول نفسها هى التى نشأ عنها الليل والنهار، لو لم تدر الأرض حول نفسها لما رأينا ليلاً ولا نهار، لرأينا ليلا سرمدا أو نهارا سرمدا، لكن الله جل وعلا سبحانه وتعالى جعل الأرض تدور حول نفسها دورة كاملة ومن خلال هذه الدورة رأينا الليل والنهار، ثم تدور الأرض حول الشمس وهذه الدورة نشأ عنها الفصول الأريعة الصيف والشتاء والربيع والخريف .

أما الدورة الثالثة مع الشمس ومع المجموعة الشمسية فإن ستار الغيب لم يكشفه عنها إلى الآن فى عصر الذرة، لنعلم يقيناً أن الإنسان لا يعلم شيئاً فى الكون إلا بالقدر الذى أراد أن يعلمه له خالق الكون قال سبحانه: { وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ} (255) سورة البقرة. حتى لا يتبجح الإنسان المغرور ويدعى أنه أصبح الآن قادراً على أن يعيش وحده بدون إله.

لقد سمعنا ذلك وقرأناه يوم أن صدعوا رؤوسنا بالنعجة "دوللى" وخرج علينا من العلمانيين المجرمين من يقول: استطاع فى عصر العلم، لا فى عصر معجزات الأنبياء استطاع أن يخلق الإنسان نعجة وفى المرحلة القادمة يستطيع الإنسان أن يخلق إنساناً.

ثم قال علمانى وقح: لقد آن الأوان ليعيش الإنسان بعيداً عن الله، فورب الكعبة ما خلقوا ذبابة ولن يخلقوا ذبابة: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ* مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (73، 74) سورة الحـج. {ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ* مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}.

فهذه الأرض مذللة، ثم شق الله فيها الأنهار والبحار وزينها بالأشجار وأودعها الكنوز والخيرات قال سبحانه: {وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ} (33،35) سورة يــس.

سبحانه قدر خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون آيات.

أنظر لتلك الشجره
كيف نمت من حبه
ابحث وقل من ذا الذى
ذاك هو الله الذى
ذو حكمة بالغة
سل الواحة الخضراء
وهذى الصحارى
سل الروض مزدانا
سل الليل والإصباح
وسل هذه الأنسام
وسل كل شئ تسمع
ولو جن هذا الليل وامتد سرمدا



ذات الغصون النضره
وكيف صارت شجره
يخرج منها الثمرة
أنعمة منهمره
وقدرة مقتدره
والماء جاريا
والجبال الرواسيا
والزهر والندى
والطير شاديا
والأرض والسما
التوحيد لله ساريا
فمن عير ربى يرجع الصبح ثانياً




{أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ * أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (60، 64) سورة النمل .

البعرة تدل على البعير، وأثر السير يدل على المسير، سماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، أفلا يدل ذلك على اللطيف الخبير، وأمسك الإمام أحمد بالبيضة يوما، بيضة من دجاجة فقال أحمد: هذا حصن حصين أملس ليس له باب وليس له منفذ، ظاهرة كالفضة البيضاء وباطنه كالذهب الإبريز، وبينما هو كذلك إذا اتصدع جداره وخرج منه حيوان جميل سميع بصير ذو صوت حسن وشكل مليح أإله مع الله؟

{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ } (20) سورة العنكبوت ، {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ } اذكروا الله جل وعلا {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } وبعد هذا التفكر يقولون حتما: { رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (190، 191) سورة آل عمران.

وأنتقل النقلة الرابعة مع القرآن الكريم على وجه السرعة ألا وهو عنصرنا الرابع مع القرآن الكريم آيات خلق الإنسان.

ولكنى أرى عقارب الساعة تطاردنى فأرجئ الحديث عن هذا العنصر وعن الذى يليه بعد جلسة الاستراحة وأقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله واصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.

أما بعد فيا أيها الأحبة الكرام.

رابعاً: مع القرآن فى مراحل خلق الإنسان:

بإيجاز شديد مع العنصر الرابع، مع القرآن الكريم فى مراحل خلق الإنسان، قال سبحانه : {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} (12، 14) سورة المؤمنون .

أيها الأحبة الكرام...

إن خلق الإنسان إعجاز، إنك أيها الإنسان من أعجز آيات الله على ظهر هذه الأرض، فورب الكعبة نظرك فيك يكفيك على أن الخالق هو الله.... أنظر إلى رأسك ابتداء وسأرجع بعد ذلك إلى البداية، أنظر معى إلى رأسك، أنظر إلى العين، أنظر إلى الأنف، أنظر إلى الأذن، أنظر إلى الفم وتدبر. سترى فى كل عضو من هذه الأعضاء نوعاً من الماء سترى ماء فى العين إنها الدموع، وسترى ماء فى الأذن، وسترى ماء فى الفم، وسترى ماء فى الأنف، لكن أنظر وتدبر.

سترى ماء العين مالحا، وماء الأنف حامضا، وماء الأذن مرا، وماء الفم حلوا!! صنع من؟ خلق من؟ وأصل هذا الماء واحد، وهو رأس الإنسان، تدبر معى هذه المراحل العجيبة، فالرجل يجتمع بامرأته ليضع نطفته تلك النطفة التى تحتوى على ملايين الحيوانات المنوية، هذا المنى المهين خلقت منه {خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} (6، 7) سورة الطارق.



هذا الماء المهين ملايين الحيوانات المنوية تتسابق كلها لتصل كل هذه الملايين إلى عروس واحد إنها البويضة التى تخرج من رحم المرأة مرة واحدة فى الشهر كأنها عروس فى ليلة زفافها.

نعم! تخرج البويضة عليها تاج مشع هذا ليس تعبيراً بلاغاً أدبياً من عندى إنما هو تعبير علمى تخرج البويضة وعليها تاج مشع لعلها بهذه الإشعاعات أن تلفت نظر حيوان منوى ليقترب منها، وتتسابق الملايين المملينة فى محاولات إلى هذه العروس، إلى هذه البويضة، لكن تموت كل هذه الملايين ولا يصل إلى هذه البويضة إلا حيوان منوى واحد، هذه المعلومة التى لم يصل إليها العلم الحديث إلا فى هذا العصر، أخبرنا عنها نبينا منذ مئات السنين فقال كما فى صحيح مسلم... تدبر ...:" ليس من كل الماء يكون الولد" (مش كل الحيوانات المنوية يكون منها الولد لا" "ليس من كل الماء- أى المنى- يكون الولد وإذا أراد الله خلق شئ لم يمنعه شئ". الحديث فى صحيح مسلم.([6]).



يصل هذا الحيوان إلأى البويضة فيلقحها، إذا ما اقترب الحيوان المنوى من البويضة تقوم البويضة بفرز سائل لزج من شأنه يمسك بالحيوان المنوى على جدراها، فإن التصق الحيوان المنوى بجدار البويضة أفرز هو الآخر سائلاً من شأنه أن يذيب هذا التاج المشع على رأس البويضة، فإن ذاب التاج اخترق الحيوان المنوى جدار البويضة، فإن دخل أحكمت البويضة على الحيوان المنوى الأبواب والنوافذ حتى لا يخرج، من الذى علم البويضة ذلك؟ ثم تتخلص البويضة فوراً من التاج المشع لماذا؟ حتى لا تلفت بهذا التاج المشع نظر حيوان منوى جديد لأنها لم تعد تسمح بذلك، فتتكون النطفة الأمشاج {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ } (2) سورة الإنسان.

النطفة الأمشاج: هى اجتماع الحيوان المنوى مع البويضة بعد التخصيب، وبعد أيام قليلة تتحول النطفة الأمشاج إلى انشطارات عديدة من الخلايا، الخلية تنشط إلى خليتين والخليتين إلى أربع وهكذا، حتى تتكون هذه النطفة الأمشاج فى صورة جديدة تشبه تماماً فعل التوت.

ولذلك يسمى العلماء النطفة فى هذه المرحلة بالتوتة- هذا اصطلاح علمى- هذه النطفة الأمشاج تنتقل بعد ذلك إلى مرحلة العلقة وسميت بالعلقة لتعلقها بجدار الرحم عند المرأة، فإن تعلقت بجدار الرحم يبدأ الرحم هو الآخر بفرش المكان بالوسائد والفرش من أوعية دموية حانية لهذا العلقة حتى لا تؤذى، وبعد أيام قليلة تتمايز العلقة إلى طبقتين: طبقة خارجية وإلى طبقة داخلية، الطبقة الخارجية وظيفتها فقط أن تمتص الغذاء من الدماء فى جدار الرحم، والطبقة الداخلية وظيفتها فقط تكوين الجنين، صنع من؟

ثم تنتقل العلقة بعد ذلك إلى مرحلة جديدة تسمى المضغة وسميت بالمضغة، لأن الجنين فى هذه المرحلة يشبه تماماً قطعة اللحم التى مضغتها أسنان إنسان ثم لفظت، إن نظرت إلى الجنين، سترى أن الجنين عبارة عن قطعة من اللحم عليها آثار المضغ، ثم تتحول بعد ذلك المضغة، تدبر معى إلأى عظام عظام من أين جاءت العظام؟ لقد كانت نقطة ماء فتحولت إلى علقة (ماشى جائز) ثم قطعة لحم (جائز) لكن تتحول إلى عظام، ... من أين جاء العظم عظام... وعظام عجيبة ليست قطعة عظم عادية، بل عظام للوجه وللذراع وللصدر وللساق وللقدم وللأصابع، هيكل عظمى متكامل عجيب.



ثم يكسو الله هذه العظام باللحم ثم تأتى مرحلة الخلق الآخر { ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ } (14) سورة المؤمنون. فيأمر الله عز وجل الملك فينفخ فيه الروح يقول المصطفى والحديث فى الصحيحين:" لقد وكل الله بالرحم ملكا يقول الملك: أى ربى نطفة أى ربى علقة؟ أى ربى مضغة؟ أى ربى أذكر أم أنثى؟ أى ربى أشقى أم سعيد؟ أى ربى ما الرزق؟ أى ربى ما الأجل؟" ([7]) يقول المصطفى : " فيكتب الملك وبقضى ربك ما شاء ثم ينفخ الله عز وجل فى هذا الجنين الروح".

الروح لا العظام جائز، لكن فجأة ينبض القلب وتتحرك الجوارح والأعضاء وتبدأ الأذن فى السمع، تسمع وتتحرك، حياة تدب، حياة جديدة فى داخل الرحم، الله أكبر ... من أين هذا الخلق؟ أين هذه الحياة؟.

وهنا وقف العالم الفرنسى الشهير الذى وقف يراقب مراحل نمو الجنين
فى رحم امرأة مراقبة دقيقة بدقيقة، وعندما نفخت الروح فى الجنين صرخ وقال: Here the God ( هنا الله ).

من أين جاءت هذه الحياة، تعطلت كل أسباب العلم، إنها عظمة الملك جل جلاله أيها المسلم ... نظرك فيك يكفيك على أن الخالق هو الله، على أن الذى يستحق بعد ذلك أن يعبد... هو الله وأن يوجد... هو الله وأن يمتثل أمره ... هو الله، وأن يجتنب نهيه هو الله، وأن يقف المسلم عند حدوده هو الله، هو الله جل وعلا.

أخيراً : عتاب مخزي:

وهنا أختم اللقاء بعد هذه الإطالة التى أعتذر عنها العنصر الأخير عتاب أيها الإنسان المغرور.

أيها الإنسان المتكبر، أيها الإنسان المخدوع، يا من غرك علمك، يا من غرك منصبك، يا من غرك جاهك، يا من غرك مالك، أنسيت أصلك؟ أنسيت نفسك؟ أنسيت أنك كنت فى العدم لا تذكر؟ تعرف على ربك، أعرف ربك من الآن بهذه الرؤيا الجميلة الجديدة، ثم تعرف على حقه تعرف على حق الله تبارك وتعالى عليك.

فالسؤال: أليس هذا الإله العظيم يستحق منا أن يعبد؟ أليس هذا الأله العظيم يستحق أن تعرف حقوقه سبحانه وتعالى عليك؟ ينقسم الناس إلى قسمين: فريق فى الجنة وفريق فى السعير، وفريق شقى وفريق سعيد.

أما الشقى فيقول: لا لا يعترف بربه ويكفر بخالقه ويزداد عنادا وكفرا وطغيانا، وأما السعيد هو الذى يذعن ويرتجف قلبه وتدمع عينه وتخشع جوارحه ويقول- ورب الكعبة- : إننى فى حاجة إلى أن أتعرف من جديد على حقوق هذا الإله العظيم سبحانه، لأوفيها كاملة غير منقوصة مع تضرعى إليه بأن يرحمنى لعجزى وفقرى.

والسؤال الآن من كل مؤمن صادق بين يدى أو سيستمع إلى عبر شريط الكاسيت، أنا لا أخاطب هذا الجمع الكريم بين يدى، وإنما أخاطب الأمة كلها عبر هذه الوسيلة العظيمة التى قيضها الله للدعوة فى هذا العصر الحديث، ألا وهى
الشريط الإسلامى.

أقول السؤال الآن الذى سيطرحه على كل مسلم صادق وكل مسلمة صادقة، فما هو حق الله علينا لنوفيه كاملاً غير منقوص؟ والجواب فى الشهر القادم بإذن الله جل
وعلا ، أسأل الله سبحانه أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

الدعاء...





--------------------------------------------------------------------------------

(1) رواه البحخارى فى الجهاد والسير (2856) ومسلم فى الإيمان (30).

(2) رواه البخارى فى العلم (128) ومسلم فى الإيمان (32/53).

(1) رواه مسلم فى افيمان (179 / 293).

(1) رواه مسلم فى الإيمان (12/10).

(2) رواه البخارى فى التفسير (4811) ، ومسلم فى صفة القيامة والجنة والنار (2786) .

(1) رواه مسلم فى القدر (2644)

(1) رواه البخارة فى الحيض (318) ومسلم فى القدر (2645 ، 2646

من مواضيع في المنتدى

__________________

التعديل الأخير تم بواسطة : sandey بتاريخ 07-08-2007 الساعة 11:03 PM.
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 11-05-2007, 06:47 AM
الصورة الرمزية ابى مصطفى المهاجر
مشاهدة ألبوم صور ابى مصطفى المهاجر's ابى مصطفى المهاجر غير متواجد حالياً
مشرف سابق
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
الدولة :
النوع :male
المشاركات: 2,390
جزاك الله خيرا: 1
تم شكره 35 مرة فى 20 مشاركة
معدل تقييم المستوى: 5
ابى مصطفى المهاجر is on a distinguished road
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى ابى مصطفى المهاجر إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى ابى مصطفى المهاجر
افتراضي

حق الله - الجزء الثاني
إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده، ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح للأمة فكشف الله به الغمة، وجاهد فى الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبيا عن أمته ورسولا عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وصحبه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من استن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.

أما بعد ..

فحياكم الله جميعاً أيها الأخوة الأخيار وأيتها الأخوات الفاضلات، وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الحليم الكريم وجل وعلا الذى جمعنا فى هذا البيت المبارك الطيب على طاعته، أن يجمعنا فى الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى فى جنته ودار كرامته، إنه ولى ذلك والقادر عليه.

أحبتى فى الله:

يوم أن أنحرفت الأمة عن كتاب ربها وسنة نبيها وقعت فى هذا الانفصام النكد بين منهجها المنير وواقعها المؤلم المرير، فلقد شوه المسلمون الإسلام بقدر ما ضيعوا من تعاليميه وحقوقه، وابتعدوا عن المصطفى بقدر ما ضيعوا من سنته وأخلاقه، والداعية الصادق الأمين- أسأل الله أن نكون منهم بمنه وكرمه- هو الذى لا يغيب عن أمته ولا تغيب عنه أمته بآلامها وآمالها. ولو قلبت صفحات التاريخ كلها لن نجد فيها زمانا قد ضاعت فيه حقوق الإسلام كهذا الزمان وهذه الأيام، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، فأحببت أن أذكر أمتى لعلها أن تسمع من جديد عن الله عز وجل، ولعلها أن تسمع من جديد عن رسول الله ، ولعلها أن تحول هذا المنهج المنير فى حياتها إلى منهج حياة وتردد مع الصادقين السابقين الأولين قولتهم الخالدة: { سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (285) سورة البقرة.

فتعالوا بنا أيها الأحبة الكرام لنتعرف على حق الله جل وعلا، ونحن اليوم على موعد بحول الله ومدده وطوله مع اللقاء الثانى، ولا زال حديثنا ممتدا عن حق الله جل وعلا، وقد بين لنا حبيبنا حق الله بجلاء كما فى حديثه الصحيح الذى رواه البخارى ومسلم من حديث معاذ بن جبل- - قال: كنت رديف النبى يوما
على حمار.

أى: كان معاذ بن جبل يركب خلف النبى على ظهر حمار واحد.

فقال النبى لمعاذ:" يا معاذ أتدرى ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟" قال معاذ: الله ورسوله أعلم، فقال المصطفى :" حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، حق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً" فقال
معاذ: قلت: يا رسول الله أفلا أبشر الناس بذلك؟ فقال المصطفى : لا تبشرهم فيتكلوا" ([1]) .

وفى رواية: فأخبر به معاذ بن جبل عند موته تأثما([2]) أى خوفا من وقوعه فى الأثم، لكتمانه العلم عن النبى .

إذا فحق الله جل وعلا على عباده وعلى خلقه هو أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وهذا هو موضوع لقائنا مع حضراتكم فى هذا اليوم الكريم المبارك: وكعادتنا فسوف ينتظم حديثنا مع حضراتكم بإذن الله جل وعلا، فى هذا الموضوع الجليل فى العناصر المحددة التالية:

أولاً:ما معنى العبادة؟

ثانياً:من نعبد؟

ثالثاً: لماذا نعبد الله؟

رابعاً:بماذا نعبد الله؟

وأخيراً:لا إفراط ولا تفريط.



فأعيرونى القلوب والأسماع جيداً أيها الأحبة الكرام، والله أسأل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} (18) سورة الزمر.

أولاً: ما معنى العبادة؟

العبادة أصل معناها فى اللغة: الذل، يقال: طريق معبد أى: طريق مذلل قد وطأته الأقدام، لكن العبادة التى أمرنا بها تحمل معنى الخضوع والذل ومعنى الحب، فالعبادة لله هى كمال الذل مع كمال الحب لله جل وعلا.

وقد عرف العبادة شيخ الإسلام ابن تيمية طيب الله ثراه فقال: العبادة هى اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة كالصلاة والصيام والزكاة والحج وبر الوالدين والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والإحسان إلى الجيران، والإحسان إلى اليتيم، والإحسان إلى الأرملة والمسكين، كل ذلك من العبادة وحب الله ورسوله، والحب فى الله، والتوكل على الله والاستعانة والرجاء والتفويض والإنابة والخشية والمحبة والخوف، كل ذلك من العبادة ، فالعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.

إذا أيها الأحبة فالعبادة تشمل الحياة بأسرها، فالعبادة تشمل الحياة بأسرها، فحياة المؤمن كلها عبادة إن صحت النية وكان العمل وإن كان موافقاً لهدى سيد البرية، تدبروا معى هذا الكلام النفيس.

أقول: حياة المؤمن كلها عبادة إن صحت النية وكان العمل، وإن كان موافقا لهدى سيد البشرية كما فى الحديث الصحيح الذى رواه مسلم من حديث أبى ذر- - أن ناسا من أصحاب النبى من الفقراء جاؤوا يوما إلى المصطفى وقالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور- أهل الدثور أى: أصحاب الأموال والغنى- ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلى ويصومون كما نصوم، ولكنهم يتصدقون بفضل أموالهم فهؤلاء هم الذين سبقونا بالأجر فقال المصطفى :" أو ليس الله قد جعل لكم ما تصدقون به أو ليس الله قد جعل لكم ما تصدقون به" اسمع ماذا قال عليه الصلاة والسلام قال:" إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهى عن منكر صدقة – اسمع- وفى بضع أحكم صدقة- أى فى جماع الرجل زوجته- وفى بضع أحكم صدقة" قالوا: يا رسول الله أيأتى أحدنا شهوته فيكون له فيها أجر؟! فقال:" أرأيتم لو وضعها فى الحرام أكان عليه وزر" قالوا : نعم قال: " ولو وضعها فى الحلال فله بها أجر". ([3])

فحياة المؤمن حتى لقاؤه مع امرأته عبادة إن صحت النية وكان العمل موافقا لهدى سيد البشرية ، وهذا هو مقتضى الإيمان أيها الأخيار الكرام.

فمقتضى الإيمان أن تكون حياة العبد كلها لله تبارك وتعالى مصداقا لقوله عز وجل: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } (162 ، 163) سورة الأنعام .

فمتقضى الإيمان أن يسلم العبد حياته كلها لله جل وعلا؛ ليقودها الصادق المصدوق بوحى الله المعصوم. مقتضى الإيمان أن يقول الرب: أمرت ونهيت . وأن يقول العبد: سمعت وأطعت. مقتضى الإيمان أن يذعن العبد لله جل وعلا، وأن يمتثل أمره، وأن يجتنب نهيه وأن يقف عند حدوده تبارك وتعالى، وهو فى غاية الحب لله، وفى غاية الرضا عن الله.

قال عز وجل فى علاه: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} (36) سورة الأحزاب. وقال سبحانه: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} (65) سورة النساء.

هذا هو مقتضى الإيمان أن يسلم العبد حياته كلها لله، ليقودها إلى الإيمان والأمان إلى الصادق المصطفى رسول الله بوحى الله المعصوم، ومن خلال هذا العرض السريع جدا- لأعرج على عناصر الموضوع كلها بإذنه تعالى- يتبين لنا أيها الفضلاء الكرام أن كثيراً من الناس قد انحرف عن حقيقة العبادة وصرف صوراً كثيرة من صور العبادة لغير الله سبحانه وتعالى، فمن الناس من صرف العبادة لغير الله بتحكيم غير شرع الله تبارك وتعالى، والإدغال والانقياد.

لأحكام مهازيل البشر ممن تتحكم فيهم الأهواء والنزوات والشهوات والرغبات، والله جل وعلا يقول: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (50) سورة المائدة. ويقول سبحانه وتعالى: {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} (40) سورة يوسف.

فمن الناس من انقاد بشرع مهازيل البشر ولم يذعن ولم يذل ولم يخضع لشرع خالق البشر جل وعلا، وظن هؤلاء المساكين أنهم يوم أن نحوا شريعة رب العالمين وشريعة سيد المرسلين وحكموا شريعة مهازيل الخلق، وظنوا أنهم قد ركبوا قوارب النجاة، ظنوا أنهم قد ركبوا قوارب النجاة وسط هذه الرياح الهوجاء والأمواج المتلاطمة فغرقوا وأغرقوا وهلكوا وأهلكوا، شأنهم فى ذلك ورب الكعبة كشأن من يتأذى من رائحة المسك الفواح، ويسعد ويعيش على رائحة القذر والنتن فى المرحاض والمستراح، استبدلوا بالعبير بعرا وبالثريا ثرى، وبالرحيق المختوم حريقا محرقا مدمراً، فذلك الأمة وهانت يوم أن صرفت العبادة لغير الله فى إذعانها لشرع مهازيل البشر من خلق الله.

ولتنحيتها شرع الله ولشرع الحبيب رسول الله فى الوقت الذى نرى فيه الأمة، فى هذه الأيام على أعلى مستوى تحتفل بذكرى المصطفى، وهى التى نحت شريعته واستهزأت بسنته وصبت جام غضبها على من وحدوا الله واتبعوا الحبيب رسول الله ، وأنها أمة لا تحسن إلا الدجل، إلا من رحم ربك من أفراد أمة تحتفل بالنبى وهى التى نحت شرع النبى واستهزأت بسنة النبى وصبت جام غضبها على المتبعين لهدى النبى ، فأى احتفاء هذا أى احتفال؟ إنه الكذب، ونسأل الله أن يرد الأمة إلى الحق ردا جميلاً وإلى هدى المصطفى إنه ولى ذلك مولاه.

ومن الناس وهذا هو الصنف الثانى من صرف العبادة لغير الله فى كثير من صورها، فذبح لغير الله ونذر لغير الله، وحلف بغير الله واستعان بغير الله، واستغاث بغير الله ولجأ إلى غير الله، وفوض الأمور إلى غير الله، وإن الملايين المملينة مما ينتسبون الآن إلى الأمة ممن يذهبون إلى الأضرحة والقبور لمن أعظم الأدلة على ما أقول، فإنهم يرددون قولتهم الخبيثة: إذا تعسرت الأمور، فعليكم بأصحاب القبور. تعالى من بيده البعث والنشور، وهو الذى يقول: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ} (62) سورة النمل.

هل يجيب المضطر إذا دعاه نبى أو ولى لا والله، لا يجيب المضطر إذا دعاه إلا الرب العلى الذى لا يغفل ولا ينام، وهو الحى الذى لا يموت.

فأيها المسلم لا تسأل نبيا ولا تسأل ولياً وسل الحى الذى لا يموت فهو بيده الأمر كله صاحب الضر والنفع {وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ} (17) سورة الأنعام. فمن الناس من صرف العبادة لغير الله، وقال: إن للكون أقطابا وأوتادا وأبدالا وأولياء، تدبر نظام الكون وتسيير شئونه، والله جل وعلا يقول: { إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ } (154) سورة آل عمران. ويخاطب ربنا أحب الخلق إليه وأشرف الخلق وأفضل الخلق لديه، يخاطب سيدنا المصطفى، يقول له ربه: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ } (128) سورة آل عمران. الله.

انظروا إلى جمال التوحيد {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ } ، بل ويخاطبه ربه ويخاطب الأنبياء من قبله، ويقول سبحانه: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ} (65، 66) سورة الزمر. أمر رب العالمين لسيد المرسلين .

ومن الناس- وهذا صنف ثالث- عبد الله جل وعلا وحده لا شريك له ولكنه عبد الله بغير هدى المصطفى رسول الله، عبد الله بالبدع، عبد الله بالضلالات، عبد الله بالعادات التى توارثها الأجيال عن الآباء والأجداد، وهذه العبادة أيضاً مردودة على رأس صاحبها، ولو ابتغى صاحبها وجه الله جل وعلا، لأنه لابد أن تكون العبادة خالصة لله، وأن تكون العبادة موافقة لسنة الحبيب رسول الله ، قال جل فى علاه، {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} (110) سورة الكهف.

وفى الصحيحين من حديث عائشة أنه قال: "من أحدث- أى: من ابتدع أى: عبد الله فى دين الله ببدعة- من أحدث فى أمرنا- أى: فى ديننا- هذا ما ليس منه فهو رد"([4]) أى مردود على رأسه، لا قبول

له من الله جل وعلا؛ لأن الله لا يقبل العبادة إلا إذا كانت خالصة على هدى حبيبه المصطفى.

ومن- الناس وهذا هو الصنف الرابع- من فهم العبادة فهماً مبتورا ناقصا جزئياً، فالعبادة عنده لا تتجاوز ولا تتعدى الشعائر كالصلاة والصيام والزكاة والحج، فهو يصلى فى المسجد، ويحج بيت الله الحرام، ويؤدى الزكاة، ويصوم رمضان لكن إن تجاوز هذا المسلم المسجد ترى شخصية أخرى، وترى إنساناً آخر فامرأته متبرحة وبناته متبرجات يتعامل بالربا، لا يؤدى حق جيرانه، لا يؤدى حق والديه، ترى شخصية مختلفة تماماً عن الشخصية التى تراها فى المسجد.

لماذا؟ لأنه فهم من العبادة فهماً مبتورا ناقصاً، فالعبادة كما أقول تشمل الحياة كلها، فبر الوالدين عبادة، والإحسان إلى اليتيم عبادة، والإحسان إلى الجار عبادة، والصدق فى الكلام عبادة، والوفاء بالوعد عبادة، والوفاء بالعهد عبادة، وأداء الأمانات عبادة، والإخلاص فى القول والعمل عبادة، والابتسامة فى وجه المسلم عبادة، المصافحة للمسلم عبادة، والسلام على المسلم عبادة، وغض البصر عن المرأة المسلمة الأجنبية عنك عبادة، فالعبادة تشمل الحياة كلها، لكنه فهم العبادة فهماً مبتورا جزئياً ناقصاً ، فهى لا تتعدى المسجد، لا تتعدى الشعائر كالصلاة والصيام والزكاة والحج: { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (85) سورة البقرة.

العبادة يا إخوة، ليست أمراً على هامش الحياة، بل هى الأصل الأول الذى من أجله خلق الله الحياة، بل هى الأصل الذى من أجله خلق الله السماوات والأرض والجنة والنار، ومن أجل العبادة أنزل الله الكتب وأرسل جميع الأنبياء والرسل، تدبر معى قول الله سبحانه: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (56) سورة الذاريات إلا ليوحدون، فإن الله خلق الخلق سدى، بل خلق الخلق، ليعبدوه وبالألوهية يفردوه ويوحدوه، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ* مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ* إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ } (56، 58) سورة الذاريات.

ثانياً: من نعبد؟

فالله جل وعلا وحده الذى يستحق أن نعبده هذا هو عنصرنا الثانى من عناصر اللقاء بإيجاز شديد جداً، فوالله إن كل عنصر من عناصر لقائنا اليوم يحتاج إلى لقاء، ولكننى لا أريد أن أطيل السلسلة، السؤال الآن من نعبد؟ وهذا هو عنصرنا الثانى
من نعبد؟

قد يبدو السؤال غريبا وعجيباً لأول وهلة، ولكن ستزول غرابتك ودهشتك أيها الأخ الكريم الحبيب الفاضل، إذا أن العالم كله يؤيد كماً هائلاً من العقائد الباطلة والتصورات الفاسدة، وأن الملايين المملينة الآن من البشر على ظهر الأرض تعبد آلهة كثيرة غير الله، آلهة وأرباب وأنداد وطواغيت تعبد الآن فى الأرض من دون الله.

ألم تعلم من يوم أن خلق الله الأرض منذ آمن نوح أن الشرك متأصل ومتجذر فى الأرض؟! فمن الناس من عبد الشمس من دون الله وهى من خلقه والقرآن الكريم يحدثنا عن الهدهد، هدهد سليمان الذى خرج يوما فى جولة استطلاعية دعوية، فرأى قوماً قد من الله عليهم بالملك والسلطان ورأى ملكة هؤلاء تتربع على كرسى عرشها، ومع ذلك مع هذا النعيم والنعم التى أسبغها اللله عليهم ظاهرة وباطنة، فإنهم يسجدون للشمس
من دون الله.

عاد الهدهد فى غضب شديد ينقل هذه الحادثة المؤلمة والواقعة المفجعة لنبى الله سليمان وهو يقول: {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} (23) سورة النمل ويعلن الهدهد عن غضبه، ويقول: {وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ} (24) سورة النمل ويعلن الهدهد توحيده لله ويعلن براءته من هذا الشرك الغليظ، فيقول الهدهد: {أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ*} (25، 26) سورة النمل . قوماً يعبدون الشمس التى خلقها الملك.

ومن الناس من عبد القمر والنجوم والكواكب، كقوم خليل الله إبراهيم، ومن الناس من عبد الجن، ومن الناس من عبد الملائكة، ومن الناس من عبد الحجارة
والتماثيل والأصنام.

ويقول أبو رجاء العطاردى كما فى الحلية لأبى نعيم بسند صحيح قال: كنا نعبد الحجر فى الجاهلية من دون الله فإذا مررنا على حجر هو أحسن من الأول، ألقينا الأول وعبدنا الثانى من دون الله، فإذا لم نجد حجراً، جمعنا كومة من تراب ، ثم أتينا بالغنم فحلبنا اللبن عليها وطفنا بها نعبدها من دون الله جل وعلا.

أنظروا إلى العقول عبدت الأصنام، عبدت التراب من دون الله جل وعلا آلهة كثيرة، ومن الناس من عبد الناس، من عبد البشر، فلقد عبد اليهود عزيراً ، ولقد عبد النصارى عيسى ابن مريم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، والآن تعبد الطواغيت فى الأرض فى كل مكان ، إلا من رحم ربك جل وعلا، تعبد القوميات وتعبد الأيدولوجيات وتعبد النظريات وتعبد الأفكار من دون العزيز الغفار.

يقول قائل:

هبونى عبدا يجعل العـرب أمة وسيــروا بجثمانى على دين برهم

سلام على كفر يوحــد بيتنا وأهــلا وســهلا بـعده بجهنم

طواغيت تعبد فى الأرض من دون الله جل وعلا، واليوم فى عصر الذرة فى عصر الحضارة فى عصر العلم، تعبد البقرة من دون الله، البقرة تعبد فإن فى الهند اليوم حتى هذه اللحظة التى أتكلم فيها ما يقرب من نصف مليون بقرة تعبد من دون الله جل وعلا. يقول زعيم الهند الكبير غاندى الذى يكرم على أعلى مستوى يقول: إنه سيظل على عبادة البقر أمام العام أجمع ثم قال أن أمه البقرة أحب إليه من أمه التى ولدته، لأن أمه البقرة لا تطالبه بحقوقها مثل أمه التى ولدته فإنها تطالبه فى الرعاية.

{مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} (113) سورة التوبة إن خطر الشرك عظيم، فإن الله سبحانه وتعالى يغفر أى ذنب إلا الشرك {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (65) سورة الزمر.

وفى الصحيحين([5]) من حديث ابن مسعود- - لما نزل قول الله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} (82) سورة الأنعام . فشق ذلك على أصحاب النبى : وقالوا: يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه؟ فقال المصطفى :" ليس هذا الذى تذهبون إليه، ألم تقرأوا قول العبد الصالح
{وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (13) سورة لقمان. فخطر الشرك عظيم.

فحين أقول من نعبد؟ فيجب علينا أن نجيب بوضوح كامل على هذا، والجواب متروك لك أيها المسلم ومتروك لك أيتها المسلمة من تعبد؟ تعبد من؟ هل تعبد الله جل وعلا؟ هل تصرف العبادة لله وحده ؟ وهل تنذر لله وحده؟ هل تطوف لله ببيت الله فى مكة وحدة أم تطوف بكل بيت وبكل قبر وتسأل غير الله وتستغيث بغير الله وتذبح لغير الله وتستعين بغير الله وتلجأ لغير الله وتفوض الأمر لغير الله؟

اصدق الجواب واعلم أن الله يعلم السر وأخفى. من تعبد؟ هل تعبد الله وحده لا شريك له؟ والله لو تخلى الخلق جميعا على ظهر الأرض عن عبادته واستكبروا عن عبادته سبحانه وتعالى، فإن الله غنى عن الخلق لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية بل إن الكون كله يعبده ويوحده، إن الكون كله يعبد الله، والله غنىً عن عبادتنا وغنىً عن طاعنتنا {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ* إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} (15، 17) سورة فاطر .

الكون كله يعبد خالقه ويوحد خالقه ويسبح خالقه بتسبيح يجهله الخلق، فوالله كشف الله تسبيح الكون للإنسان لطاشت عقولنا، ماذا لو سمعت الجدار الذى تجلس إليه يسبح والنملة تسبح ولو سمعت الهدهد يسبح والدواب والهوام والحشرات والأشجار والأنهار والبحار. لو سمعت الكون كله من حولك يسبح لله؟ والله لطاشت عقولنا، لذا تدبر قول الله جل وعلا: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} (44) سورة الإسراء. لماذا قال: إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا؟ ولم يقل: إنه كان عزيزاً حكيماً.

إنه كان حليما بكم إذ لم يكشف لكم تسبيح الكون من حولكم، غفورا لكم على غفلتكم وعنادكم مع الله كرمكم على الكون كله، فالكون كله يسبح، وأنت أيها الإنسان غافل عن ربك جل وعلا إنه كان حليماً غفوراً وتدبر معى قول الله سبحانه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء*} (18) سورة الحـج.

والسؤال إذا كان الله غنياً عن خلقه وغنياً عن عبادتهم لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية، فهو القائل سبحانه فى الحديث القدسى الذى رواه مسلم من حديث أبى ذر:" يا عبادى إنكم لم تبلغوا ضرى فتضرونى ولن تبلغوا نفعى فتنفعونى، يا عبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم مازاد ذلك فى ملكى شيئا، يا عبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكى شيئاً([6]) الله غنى عن خلقه، وغنى عن عبادتهم، إذا كان الأمر كذلك فلماذا أمرنا الله أن نعبده؟

ثالثاً: لماذا نعبد الله جلا وعلا؟

فلماذا أمرنا الله أن نعبده وهذا هو عنصرنا الثالث من عناصر اللقاء، لماذا نعبد الله جلا وعلا؟ والجواب: لأن العبادة حق الله على خلقه، فليس بمستنكر أن يكون لله حق على الخلق، وإنما المستنكر والمستغرب أن يجحد الخلق حق لله علينا، "أتدرى ما حق الله على العباد؟ أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً" والجفاء والجحود أن يأسر الإنسان إحسان من أحسن إليه من البشر، إن أحسن إليك أحد الناس يأسرك إحسانه وتحبه، فأقول: من الجحود والجفاء أن يأسر إنساناً إحسان من أحسن إليه من البشر، وأن ينسى الإنسان إحسان وإنعام خالق البشر.

أيها الإنسان المغرور، أيها الإنسان الجحود.

أنظر إلى الكون كله لتتعرف على عظمة الله لتعبده، انظر إلى الكون كله لتتعرف على الله لتحبه، فمن عرف الله وأحبه وعلى قدر الحب تكون العبادة ويكون العمل، من عرف الله وأحبه كما ذكرت فى اللقاء الماضى لنظر من الكون كله من عرشه إلى فرشه، ومن سمائه إلى أرضه، أنظر إلى السماء وارتفاعها، وإلى الأرض وأتساعها، وإلى الجبال وأثقالها، وإلى الأفلاك ودورانها، وإلى البحار وأمواجها وإلى كل ما هو متحرك، وإلى كل ما هو ساكن، والله إن الكل يقر بتوحيد الله، ويعلن الشكر لله، ولا يغفل عن ذكر مولاه إلا من كفر من الإنس والجن، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أنظر إلى الكون لتتعرف على الله، لتحب الله بكل كيانك وقلبك لتعبد الله وأنت فى غاية الذل لله، وفى غاية الحب لله.



أخى:

يَدُ من التى خلقت السماء ورفعتها بلا عمد؟ يد من التى زينت السماء بالنجوم والشموع والكواكب والأقمار؟ يد من التى خلفت الأرض وأرستها بالجبال والأحجار؟ يد من التى خلقت فيها البحار والأنهار؟ يد من التى خلقت فيها الزهور والأشجار والثمار؟ يد من التى خلقت الإنسان فى أجمل صورة وأحسن تقويم؟ يد من التى امتدت إلى عين الإنسان فجعلتها فى علبة عظمية قوية متينة حتى لا تتعرض العين إلى الفساد ثم ظللتها بالرموش لتعكس الرموش أشعة الشمس عن العين حتى لا ُتؤذى ثم أحاطت العين بالأهداب حتى لا يتساقط العرق إلى داخل العين فتتلف، يد من؟

يد من التى خلقت وجعلت ماء العين مالحاً ألا وهو الدمع حتى تقتل الميكروبات التى تتسرب إليها من جديد؟ يد من التى جعلت ماء الأنف حامضا لتتعلق به الأتربة والميكروبات فلا تؤذى داخل الإنسان؟ يد من التى خلقت أذن الإنسان بهذا الجمال والإبداع والإتقان، وجعلت ماء الأذن مرا حتى لا تتسرب الحشرات إلى أذنك يا بن آدم وأنت نائم؟ يد من التى خلقت الفم بهذا الجمال والإبداع وجعلت ماء الفم حلوا حتى يتذوق الإنسان الطيب من الخبيث والطيب من الحار؟ يد من التى امتدت إلى كوز الذرة فرصت عليه هذه الحبات اللؤلؤية بهذا الإتقان والجمال والإبداع؟ يد من التى امتدت إلى سنبلة القمح فغلفتها بهذه الأغلفة الحصينة ومكنتها وحصتنها بشوك حتى لا تكون حبة القمح داخل الغلفة غذاء للطيور؟ وقد قدر الملك أن تكون غذاء لك أيها
الإنسان الجحود؟

والله لو أذن الله لحبة القمح أن تتكلم وأنصت إليها المخلصون لاستمعوا إلى حبيبات دقيقها داخل الأغلفة تقول: سبحان من جعلنى طعاماً لفلان أبن فلان، يد من التى امتدت إلى الماء العذب الفرات وإلى الملح الأجاج فجعلت بينهما برزخا وحجرا محجورا؟ يد من التى خلقتك أيها الإنسان وجعلت فى حلقك فى مكان يسمى البلعوم بوابة منيعة حصنية تسمى هذه البوابة بلسان المزمار، هذا اللسان لو تعطل لحظة عن وظيفته لهلكت أيها الإنسان الجحود ، فوظيفة هذه البوابة أنها تسد القصبة الهوائية عند البلع وتسد البلعوم عند التنفس ولو أخطأ هذا العضو لحظة لسقطت جرعة ماء أو لقمة صغيرة إلى مجرى التنفس ولو أخطأ هذا العضو لحظة لسقطت جرعة ماء أو قلمة صغيرة إلى مجرى التنفس لهلكت أيها الإنسان المغرور؟ يد من التى خلقت هذا الكون كله بما فيه من جماد وجمال؟.

لله فى الآفاق آيات لعل
ولعل ما فى النفس من آياته
الكون مشحون بأسرار إذا ما
قل للطبيب تخطفته يد الردى
قل للمريض نجا وعوفى بعد ما
قل للصحيح يموت لا من علة
بل سائل الأعمى خطا وسط الزحام
بل سائل البصير كان يحذر حفرة
وسل الجنين يعيش معزولا بلا
وسل الوليد بكى وأجهش بالبكاء
وإذ ترى الثعبان ينفث سمه
واسأله كيف تعيش يا ثعبان
واسأل بطون النحل كيف تقاطرت
بل سل اللبن المصفى من بين
وإذا رأيت النبت فى الصحراء